محمد أبو زهرة

3708

زهرة التفاسير

أما رسالة نوح فلم تكن خالدة ، ولذا كانت الإبادة لمن كفروا وبقيت من المؤمنين بقية صالحة ، ولذا أمره اللّه تعالى بأن يصنع الفلك لنجاة نوح عليه السلام ومن معه من المؤمنين ، وإغراق المشركين حتى لا يذر منهم أحد ، ولقد أمر سبحانه بصنع الفلك وهي السفينة ، ويطلق على الجمع ، فقال تعالى : وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا ، أي رقابتنا ورعايتنا وحمايتنا ، وعبر سبحانه عن ذلك بقوله بِأَعْيُنِنا وذكرت العين لأنها أقوى إدراك الحس ، وذكرت بالجمع « بِأَعْيُنِنا » جمع عين ؛ للدلالة على كمال الرعاية والحفظ والكلاءة ، وقوله تعالى : وَوَحْيِنا أي بإرشاد منا إلى مواضع الإحكام فيها ودفع أي خلل في بنائها ، ويبدو أن نوحا عليه السلام كان مع غضبه من قومه ومن جحودهم كان يرجو أن يكون منهم مؤمنون ، ولكن اللّه تعالى ردّه وقرر أنه لا رجاء فيهم ، وقد حقّ عليهم العذاب فقال سبحانه : . . . وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ويصنع نبي اللّه ومن معه الفلك بمقدار ما يسع نوحا وأهله إلا ابنه ومن آسف معه . وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ ( 38 ) . لم يترك قومه غيهم وما هم فيه من ضلال وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ أي طائفة من أشرافهم وكبرائهم سَخِرُوا مِنْهُ كانوا يحسبون ذلك عملا لا ثمرة له فيبنى لهم نوح عليه السلام نتيجة ما يفعلون ويقول لهم : فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ ( 39 ) . وكلمة فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ في قوله تعالى لتحقيق العلم لأنه سيكون علم معانيه لا علم إخبار . حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ( 40 ) .